الغزالي

21

الأربعين في اصول الدين

الناقصة ألفاظها وسننها أنها صحيحة ، كقول الطبيب في الوصيفة المقطوعة أطرافها أنها حية وليست بميتة ، فإن كان ذلك كافيا في التقرب بها إلى السلطان ونيل الكرامة منه ، فاعلم أن الصلاة الناقصة صالحة أيضا للتقرب بها إلى اللّه سبحانه ونيل الكرامة ، وإن أوشك أن يردّ ذلك على المهدي ويزجر ، فلا يبعد مثل ذلك في الصلاة ، فإنها قد تردّ على المصلي كالخرقة الخلقة « 1 » كما ورد في الخبر . واعلم أن أصل الصلاة التعظيم والاحترام ، وإهمال آداب الصلاة يناقض التعظيم والاحترام . المحافظة الثالثة : أن تحافظ على روح الصلاة ، وهي الإخلاص وحضور القلب في جملة الصلاة ، واتصاف القلب في الحال بمعانيها ؛ فلا تسجد ولا تركع إلا وقلبك خاشع متواضع على موافقة ظاهرك ، فإن المراد خضوع القلب لا خضوع البدن ؛ ولا تقل « اللّه أكبر » وفي قلبك شيء أكبر من اللّه تعالى ؛ ولا تقل « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ » إلا وقلبك متوجه بكل وجهه إلى اللّه ومعرض عن غيره ؛ ولا تقل : « الْحَمْدُ لِلَّهِ » إلا وقلبك طافح بشكر نعمه عليك فرح به مستبشر ؛ ولا تقل « وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » إلا وأنت مستشعر ضعفك وعجزك ، وأنه ليس إليك ولا إلى غيرك من الأمر شيء . وكذلك في جميع الأذكار والأعمال ، وشرح ذلك يطول ، وقد شرحناه في كتاب الإحياء . فجاهد نفسك في أن تردّ قلبك إلى الصلاة حتى لا تغفل من أولها إلى آخرها ، فإنه لا يكتب للرجل من صلاته إلا ما عقل منها . فإن تعذر عليك الإحضار - وما أراك إلا كذلك - فانظر ، فإن كان قدر الغفلة مقدار ركعتين ، فلا تعد الصلاة ، ولكن افهم أن النوافل « 2 » جوابر الفرائض ، فتنفّل بمقدار أن يحضر القلب فيها في مقدار ركعتين ، فكلما زادت الغفلة ، زد في النوافل حتى يحضر قلبك مثلا في عشر ركعات بمقدار أربع ركعات وهو قدر فرضك ، فمن رحمة اللّه عليك أن قبل منك جبران الفرائض بالنّوافل . فهذه أصول المحافظة على الصلاة .

--> ( 1 ) الخلقة : البالية . ( 2 ) النوافل : جمع نافلة وهو ما تفعله مما لم يفرض عليك أو يجب عليك فعله من العبادات . والنوافل أيضا العطايا .